| 0 التعليقات ]

في الوقت الذي بدا فيه الجميع منخرطا في حملة انتخابية سابقة لأوانها فاحت منها روائح جد كريهة، عملت الحكومة المؤقتة بنفس العزم الذي صاحبها بعيد نشأتها على دفع البلاد، ومعها أحلام الثائرين الذين كدنا ننساهم، إلى أحد الأدراج المنسية في بعض المكاتب المغلقة. اعتقد كثير من سياسيينا أنهم قتلوا الدب، أو بالأحرى أن آخرين قتلوه نيابة عنهم، فراحوا يتنازعون على بقايا جلده وبعض لحمه، مقدمين للتونسيين دليلا آخر على عدم نضج كل النخبة السياسية وغرابتها القاتلة عن كل ما حصل ويحصل منذ منتصف شهر ديسمبر.




نبهنا في مقال سابق  إلى التلميحات والتصريحات التي قام بها رئيس الحكومة المؤقت أو بعض من قدمهم ليمهدوا له الطريق، وكيف أن الرجل اختار السير في طريق غير التي ادعى أنه سيسير عليها منذ توليه رئاسة الوزارة غداة اعتصام القصبة الثاني. كان الأمر يتعلق حينئذ بتخوفات لم تزل مسبباتها، بل تدعمت حتى أضحت شمسا في لا تداريها كل غرابيل الدنيا. سمح الرجل لنفسه، مستعينا بسلطة رئيسه المؤقت أيضا، أن يدخل على مشروع المرسوم المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات تحويرا كان بإمكانه أن يعود على الهيئة العليا قبل إجرائه، ولكنه لم يفعل. وبما أن الرجل لا يتقاسم سلطته مع أحد، مثلما ألح على ذلك سابقا، فإنه لا ينفك يقول أن الهيئة المذكورة استشارية بحتة، وأن من صلاحياته تصويب الأمور عندما يرى أنها تستحق تصويبا. لنذكر الرجل أنه إذا اتفقنا سويا على أن الهيئة استشارية، فإن علينا أن نتفق أيضا أنها غير شرعية، وهو اتفاق يبدو أنه يحبذه. ما لا يحبذه، ولكن ما علينا أن نذكره به، هو أن سلطته ليست في حال أفضل مطلقا. عندما وصل الرجل قدم وعودا، وخيل إلينا جميعا للحظة أنه كان يقود الثورة من وراء حجاب، وأن البلاد وجدت أخيرا من يعيد إلي السياسة بعض الصواب، وها أنه يتكفل يوما بعد يوم بتسفيه كل أحلامنا، مرحلة مرحلة، وخطوة خطوة.
لم يتسرب شيء عن اجتماع الحكومة الأخير حول مشروع القانون الانتخابي المؤقت، بل مجرد وعد بأن رئيس الحكومة المؤقت سيتحدث للتونسيين في بداية الأسبوع حول هذا الموضوع. إذا ما قرر الرجل الحديث فإن الأمر جلل حقا، حتى أنه يعلن عن قراره أياما قبل الحديث. يا أبانا الذي في الحكومة، نحن ننتظرك ! نرجو أن لا يكون مرسوم القانون الانتخابي قد نشر بالرائد الرسمي في صباح نفس اليوم عندما تطل علينا عبر الشاشة، فنحن لا نزال نعتبر أن تجربتك تسمح لك ببعض الحكمة. سنتوقع الأسوأ، وهو في نظرنا ما ستفعله، ونرجو أن نكون مخطئين. إذا كنا كذلك فلا ضير، فمن يسمع لنا؟ أما إذا أصبنا، فمن سيرضى بعد ذلك بكم؟
سمحتم لأنفسكم سيدي رئيس الحكومة بالتدخل في المنافسة السياسية، وهي منافسة نعتقد أنها صحية وطبيعية بل ومحبذة رغم ما يشوبها أحينا من انزلاقات. تلك هي الديمقراطية، ونحن نقبل بها رغم بعض سيئاتها، ذلك أننا انتظرناها طويلا. سمحتم لأنفسكم، ربما اعتقادا أنكم أدرى بمصلحة البلاد من كل الذين ثاروا ضد الاستبداد الأسود أو أنكم أبانا الذي نزل إلينا مجددا، بتخويفنا من أن زوال التجمع يعني استفراد طرف آخر بها، وهو ذات الطرف الذي قد يكون مستفيدا من مسألة المناصفة في القائمات. ما لا تعلمونه سيدي رئيس الحكومة المؤقت، أنه لا ذلك الطرف ولا غيره سيفعل بنا ما يريد، وأن عودة الاستبداد ستؤدي إلى عودة الثورة، من نفس النقطة التي توقفت عندها، وأن هذا الشعب لن يحكم من جديد بالحديد والنار، سواء كان من يهيئ نفسه لحكمه أحمر أو أصفر أو أخضر. هل كانت تلك مهمتكم؟ أن تخوفونا من فقدان التجمع البائد مكانته وأن تدعموا جو الاحتراب بين التونسيين؟ أن تثيروا لدى السذج أحاسيس الندم على عهد بائد؟ كان ذلك خطأ أصر بصورتكم لدى التونسيين، وما نحسب أنكم تملكون غير تلك الصورة، أو وهمها، لتجلسوا حيث أنتم. كان عليكم أن تحسنوا تأويل تلك الثقة التي منحكم الناس إياها في البداية، وأن تعملوا على تدعيمها عن طريق اتخاذ إجراءات تمنح سلطتكم الشرعية الوحيدة التي يمكن الاستناد إليها: رضى التونسيين.
ستعمدون سيدي برفضكم الفصل 15 من مشروع القانون الانتخابي المؤقت إلى الدفع بالبلاد في مسار مجهول الخاتمة. أول خطوات هذا المسار فيما نعتقد انسحاب معظم أعضاء الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة منها، فربما حلت نفسها، وربما عادت إلى صيغتها الأولى كلجنة خبراء، لكن الأكيد هو أن الأمور ستعود إلى النقطة التي كانت فيها قبيل وصولكم إلى القصبة. لن يكون أعضاء اللجنة، أو من يحترمون أنفسهم فيها ونحسب أنهم كثيرون، شهود زور على ما يخطط له، وقد قلنا سابقا أنه إذا كانت هناك نقطة أجمع عليها أعضاء الهيئة وعبروا بإجماعهم ذلك على نبض الشارع، فإنه الفصل الخامس عشر بالذات. أما تحوير الفصل الخامس عشر بما يزيد في توضيح المسؤوليات المستهدف أصحابها بالمنع من الترشح، فهو أمر طالبنا به كتابة لرئاسة الهيئة بعد أن لم يسعفنا الحظ، واستعجال رئيسها، بأخذ الكلمة. كان يفترض أن تحدد الهيئة أيضا قائمة المسؤوليات المذكورة في التجمع البائد والحكومات السابقة، إضافة إلى المناشدين، ولكن الهيئة مرت إلى مناقشة ما نحن متفقون عليه أصلا، تاركة أمر إغلاق المنافذ إلى آجال لا يعلم مداها إلا الله. خطأ مضاعف. لنقل الأمور كما ستكون عليه إن قمتم بما هيأتمونا إليه طيلة الأسبوعين الماضيين: سيتوجب عليكم أن تتصرفوا لوحدكم في مواجهة الجميع، وسيعود الجميع إلى مربع البداية، ولعل في الأمر حكمة لا تعلمونها هذه المرة. ستتأجل الانتخابات، وستتحملون بمفردكم مسؤولية ذلك.
في نفس الوقت، يواصل مؤسسو الأحزاب التجمعية التحرك هنا وهناك، ويتجرأ بعضهم على محاولة عقد اجتماعات للتعريف بأنفسهم وتبييض وجوههم في مؤسسات تابعة للدولة، مثلما فعل آخر وزير داخلية للرئيس المخلوع في ولاية قبلي يوم أمس. هل لديهم تطمينات؟ نعتقد ذلك. ممن؟ علكم تعرفون أكثر منا.
في هذه الأثناء تخرج مسيرات في كل مكان تحذركم من ارتكاب الخطيئة، وهي مسيرات نعتقد أنها بداية صحوة جديدة بعد أن كاد الناس يضيعون البوصلة. شكرا لكم على إعادة بوصلتنا لطريقها الصحيح. وشكرا لمن اعتقد أن شريطا وثائقيا يمسح كل الخطايا بالمخلوع الهارب يمكن أن ينسينا قدرتنا على تبين الطريق، وعلى فهم أن المهم هو النظر إلى الأمام وليس إلى خلف. شكرا للأحزاب التي تبرهن يوما بعد يوم أنها ليست أهلا لكثير من الأماني، ولا نستثني منها أحدا. شكرا للذين خرجوا للتظاهر اليوم ضد أي إجراء يسمح لرموز النظام البائد بإفساد فرحتنا بالثورة. شكرا لهم لتقديمهم الدرس تلو الدرس لنخبة سياسية لا تفكر إلا في الغنائم والولائم.

0 التعليقات

إرسال تعليق